الشيخ محمد رشيد رضا
410
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لهم من أصول دينه الذي شرعه لهدايتهم به إلى ما لا غنى لهم عنه في تكميل فطرتهم وقد تخلل النداء الثاني والثالث بعض ما يناسب أمة خاتم الرسل ( ص ) إذ لم يكن في آياتهما ما يدل على مشاركة غيرها لها في الخطاب - وأما هذا النداء فقد صرح فيه بذكر جملة الرسل ، وذكره بعد بيان آجال الأمم ، ولهذا فرع عليه بيان جزاء من اتبع الرسل ومن كذبهم من جميع الأقوام - فهذا وجه مناسبته لما قبله فيما ظهر لنا واللّه أعلم . قال عز وجل : * * * ( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) إما مركبة من « ان » الشرطية و « ما » التي تفيد تأكيد الشرط وكذا العموم في قول . والمعنى إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم البشر يتلون عليكم آياتي التي أنزلها عليهم في بيان ما أفرضه عليكم من الايمان والأعمال الصالحة المصلحة ، وما أحرمه عليكم من الشرك والرذائل والاعمال المفسدة ، - فمن اتقى ما نهيت عنه ، وأصلح نفسه بما أوجبت عليه ، فلا خوف عليهم مما يترتب على التكذيب والعصيان من عذاب الدنيا والآخرة ولا هم يحزنون عند الجزاء يوم القيامة ولا في الدنيا كحزن غيرهم . وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة في مواضع أشبهها بهذه الآية وما بعدها ( 2 : 38 و 6 : 48 فيراجع ) « * » * * * ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) الاستكبار عن الآيات هو رفض قبولها كبرا وعنادا لمن جاء بها أن يكون إماما متبوعا للمستكبرين لأنهم يرون أنفسهم فوقه أو أقوامهم فوق قومه أو يحبون أن يروا الناس ويوهموهم ذلك ، فرؤساء يش المستكبرون منهم من كان يرى من الضعة والمهانة أن يكون مرءوسا للنبي ( ص ) نفسه لأنهم أكثر منه مالا وأعز نفرا أو أكبر سنا - فيرون أنهم أحق بالرياسة - وكان من هؤلاء بعض عشيرته بني هاشم - ومنهم من كان يستكبر أن يتبع رجلا من بني هاشم كأبي جهل وأبي سفيان وآخرين مات بعضهم على الكفر ودان بعضهم بالاسلام بعد ظهوره . ولم يكن في غير يش من العرب من يستكبر أن يتبع رجلا منهم إلا بالتبع لعدم اتباعهم هم له ، ولكن أحبار اليهود استكبروا عن اتباعه لأنه عربي وهم يرون أن النبوة يجب حصرها فيهم كما تقدم في سورة البة . وكذلك امراء المجوس ورؤساء دينهم إذ كانوا
--> ( * ) يراجع تفسير الآية الأولى في ص 285 ج 1 والثانية في ص 418 ج 7